القاضي عبد الجبار الهمذاني
82
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإذا ثبت ذلك فدليل الشرع لا يجوز أن يقتضي الدوام ، لأن دليل العقل يمنع من ذلك ، وإذا صح فيه أن ينقطع بوقت ما ، أو بحال ، فما الّذي يمنع من أن ينقطع على الوجه الّذي نقوله ، بأن يظهر دليل يدل على أن أمثال الفعل المتقدم يكون مفسدة . فإن قال : إنما لا يجوز أن ينقطع والحال حال تكليف ، فأما بأن يتغير حال المكلف إلى عجز ومنع ، وموت ، إلى ما شاكله فلا بد من انقطاعه عقلا . . قيل له : إن العقل الّذي اقتضى جواز هذا الانقطاع هو الّذي يقتضي جواز انقطاعه ، إلى النهى والنسخ ، لأن العقل كما يدل على أن التكليف يتبع القدرة والتخلية فكذلك يدل على أنه يتبع كون الفعل مصلحة ، فإذا جاز أن يتغير حال القدرة والتخلية ، وينكشف لنا حال دليل الشرع به ، وأنه مع إطلاقه أريد به التوقيت والغاية ، فما الّذي يمنع من مثله بالنهى والحظر اللذين يكشفان عن أن الصلاح في ذلك الفعل لم يكن على الدوام ، وإنما كان إلى غاية ؟ وبعد . . فقد علمنا أن دليل التكليف يقتضي حالا دون حال ، من أوقات المكلف ، لأنه إذا نام ، وأغمي عليه فقد تبينا أن دليل الشرع لم يتضمن التعبد في هذه الحال ، حتى إذا زال ذلك ، وثاب إليه عقله ، وتكامل شرط التكليف لزم التعبد ، فما الّذي يمنع مع إطلاق الأمر أن يتخلل حال المكلف أوقات تكون مخصوصة من جملة تكليفه ، فتكون الواجبات عليه ، من قبل محظورة فيها ؛ على أن التكليف وإن كان مؤبدا فليس يلزم المكلف أن يدوم على فعل واحد ، بل ينتقل من فعل إلى فعل ، وقد تتخلل حال تكليفه أوقات استراحة ، فقد حصل كل تكليف بعينه منقطعا في أحوال ، وإن كانت الطاقة والقدرة قائمة ، فما الّذي يمنع من مثله ، في أن ينقطع كل تكليف في بعض الأحوال إلى خلافه ؟